ابن عربي
101
شجون المسجون وفنون المفتون
استتر ، وهو المبسوط في العالم الأكبر ليعرفه [ 26 / ب ] بما جلّ ، والمجموع في العالم الأصغر ليثبته بما قلّ . ولمّا بدا في المظاهر اختفى في الظّاهر ، فيظهر في الخارج ، ويرى ما وجب ظهوره من الباطن ممّا لا يرى ، كما تبيّن للإنسان من إنسان أو حيوان أو معدن أو نبات أو هيئة من الهيئات في سائر الأوقات ما يحبّه ويكرهه ، أو يعرفه أو ينكره ، إعلاما له في الظّاهر بحالة الكامن في الباطن . وكما أنّه يدرك في النّوم بحواسّه الباطنة صورا في خياله ، فكذلك يدرك بحواسه « 1 » الظّاهرة ما ينطق بحاله ، ونتيجة المدركين هدى في المثالين ليظهر لأولي الألباب فضيلة الاكتساب ، والأتقى يرقى ، وسيجنبّها الأشقى « 2 » ، فذو الفرقان بذاته ناظر في مرآته ، مهديّ إلى صفاته . في سائر أوقاته ، فإن نظر إلى سواه ، لم ير إلّا إيّاه ، مثاله حاذاه ، مقاله ناداه ، فعاله باداه ، خياله عاداه ، فليترتفق بنفسه في عقابه ، وليتلطّف بإيّاه في سؤاله وجوابه ، إذ عائد كلّ ذلك عليه ، والأمر فيه إليه ، والولد والآل ، والحال والمال ، فتنة في الخيال ، والقال والفعال ، والهجر والوصال ، والحرام والحلال ، والأضداد والأشكال ، وبقيّة الأحوال ضربت له بها الأمثال ، والحقائق على حالاتها ، والدّقائق على هيئاتها ، وما خرج عن كيانه ، أو تنحّى من مكانه ، فذلك بحسب رأيه لا لحادث حدث فيه ، بل كل حقيقة قائمة بذاتها ، ثابتة في هيئاتها وإنّما يظهر لتغيّر مرآتها تغيّر في صفاتها ، وصاحب الدّارين هو المسمّى باثنين أنث أنثى « 3 » . فسائر المعاني للواحد الثّاني ، ولولا وجوب الأوّل لما انتهى السّبر ، ولولا تغيّر الثّاني لما علم أنّه غير . زيادة : كل مشاهد في عالم الكون تمثيلات معان في عالم العقل ، والحقيقة غير زائلة ، ولا بائدة بزوال المثل ، وإنّما يصوّر العقل « 4 » ذاته في الهيولى « 5 » ، ثمّ ينظر بذاته إلى معاني
--> ( 1 ) زاد في م : « بحواسه في اليقظة الظاهرة » . ( 2 ) من قوله تعالى في سورة الأعلى : 11 : وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى . ( 3 ) في م : « باثنين يثنيه إنس إنسان » . ( 4 ) يذهب الصوفية إلى أن العقل هو أول فيوضات الوجود عن الله تعالى ويطلق ابن عربي على الإنسان الأول أسماء منها العقل الأول المعجم الصوفي 813 . ( 5 ) الهيولى عند القدماء المادة التي خلقت منها أجزاء العالم المادّية ، وهي مادة ليس لها شكل ولا صورة معيّنة ، قابلة للتشكّل في شتى الصّور .